محمد العامري الغزي
300
المطالع البدرية في المنازل الرومية
تيزين « 1 » ، فوصلناها عندما دخلت الشمس خدر الغروب ، وتستّرت بسربها « 2 » المحجوب ، وأسبل الليل إزاره ، وعمّ ظلامه الوجود وأقطاره . وهي بلدة قديمة ، ذات عمائر عظيمة ، وآثار معاهد مقيمة ، فسيحة الأرجاء ، صحيحة الهواء ، ممتدّة الغاية في الحسن والانتهاء ، واسعة الرقعة ، طيّبة البقعة ، سامية الارتفاع ، مشرقة البقاع ، مباركة الأغوار والتلاع ، ممرّغة الجنبات ، متنوعة النبات ، ممدودة الظلال ، مودودة الحلال ، مأمولة السعادة مسعودة الآمال ، قد أخذت من كل المحاسن [ 167 ب ] نصيبا ، وفوّقت إلى سهم الفضائل سهما مصيبا ومليت ظرفا ونخبا « 3 » ، وأوتيت من كل شيء سببا ، فبتنا بها وقد عزمنا على الرحلة وأتينا صدقاتها نحلة . ثم سرنا من ذلك المكان حين أبرز « 4 » الأفق ذنب السّرحان ، وآن انبلاج الفجر وحان ، ( ليلة الأحد ثالث عشرين ) « 5 » ، ثم أخذنا في المسير صباحا إلى أن تعالى النهار وتضاحى ، ودخلنا في معاملة الحلقة وقت الغداء « 6 » ، ونزلنا في قرية يقال لها تل عدا ، فتلقانا « 7 » أهلها بالسلام والترحيب والإكرام ، وأنزلونا في بيوتهم ، وأسهمونا في قوتهم ، وتواردت علينا منهم الضيافات ، وزالت عنّا بحمد الله تلك المخافات واطمأنت الأنفس وطابت الأرواح ، وزال العناء وحصل الارتياح . فأقمت بها إلى يوم الاثنين رابع عشرين القعدة وقت الصباح ، فلمّا بدا بنوره ولاح ، وملأ ضياؤه تلك البطاح ، وكان ذلك المرض قد غلب ، واشتدّ بأسه وخلب ، وأذهب بالقوى [ 168 أ ] وسلب ، فاستخرت الله تعالى في المضي إلى حلب إذ لا تخلو
--> ( 1 ) تيزين : قرية كبيرة من نواحي حلب ، كانت تعدّ من أعمال قنسرين ثم صارت أيام الرشيد من العواصم مع منبج . انظر : معجم البلدان 2 : 66 . ( 2 ) كذا وردت ولعلها : « بسترها » . ( 3 ) وردت في ( ع ) : « وأدبا » . ( 4 ) سقطت هذه الكلمة من ( ع ) . ( 5 ) ما بين القوسين ساقط من الأصل . ( 6 ) سقطت هذه الكلمة من ( ع ) . ( 7 ) وردت في ( م ) و ( ع ) : « فتلقونا » .